حكيم أبو القاسم الفردوسي ( تعريب : الفتح بن علي البنداري )
310
شاهنامه ( الشاهنامه )
الىّ حسب صنيع الملك كيخسرو وبك . وأكون مع ذلك متصفا بعبوديتك وملازما لخدمتك . فقال له أبوه : إنك بعد في ريعان الحداثة وغرة الشبيبة . فدع طلب هذه المرتبة ، ولا تقل إلا ما يستحسنه العقل ويقتضيه الذكاء . فعظم ذلك عليه . وكان له ثلاثمائة فارس فركب فيهم وقت المساء ، وفارق خدمة أبيه متوجها إلى حضرة ملك الهند . وزعم أنه جاءه منه كتاب يستدعيه . ولما أصبح أبوه وقف على حاله ، واهتم لصنيعه ، وأحضر نصحاءه وأصحاب ، رأيه ، وفاوضهم في أمر ولده ، وشكا إليهم صنيعه ، وقال : ربيته حتى شب وترعرع ، ولما دنا وقت الانتفاع بمكانه بادر الفرار ونغص علىّ العيش والقرار » . فدعا بولده الآخر زرير ونفذه في ألف فارس على طريق الهند ، ونفذ كُستَهم في جميع على طريق الروم ، ونفذ برازه على طريق الصين ، وأمر كل واحد منهم بالجدّ في طلبه واسترجاعه قبل أن يصل إلى مهربه . رجوع كشتاسب مع أخيه زرير قال : فسار كشتاسب الجافي حتى وصل إلى أطراف كابُل فرأى رياضا معشبة وغياضا متأشبة وأنهارا جارية وصيدا كثيرا فنزل فيها واشتغل وبالشرب في ليله ثم أدلج بالبزاة والفهود والجوارح في طلب الصيد . فلحقه أخوه في ذلك المكان . ولما رأى وجهة ترجل وقبل الأرض ، وأجهش اليه بالبكاء ، وتعانقا ورجعا إلى المخيم فقعدوا فيه وتناوشوا أطراف الحديث فقال له أخوه المذكور : أيها الأمير الكبير ! إن الموابذة والمنجمين في أرض إيران يخبرون بسعادتك وعلى جدك ، وأنك تبلغ مرتبة الملك كيخسرو . وإذا دخلت إلى بلاد الهند احتجب إلى خدمة ملكها الذي لا يعبد إلهك وليس على دينك . فأفكر في أمرك ، وانظر كيف يقتضى العقل هذا ، وهل يحسن بمثلك أن يدخل تحت طاعة ملك الهند ؟ هذا مع أنك لك الحسنى عند أبيك ، والعتبى بعد تأبيك . ولا ندري من أي جهة تكرهته ومللته . فقال : إن وجوهنا لا ماء لها عند أبينا ، وهو شرس الخلق ولا يميل إلا إلى الكاووسية ومن ينتسب إلى تلك الجرثومة ، وليس لي ولا لك عنده مكانة ، وهو لا ير شحنا إلا للعبودية والخدمة . ولكني أرجع من أجلك ، فإن جعل لي تاج مملكة إيران وقفت في خدمته على القدم ، وخدمته خدمة الوثني للصنم . وإن لم يفعل ذلك فارقت بابه ، وهجرت جنابه ، وسرت إلى موضع لا يهتدى اليه » . ثم رجع مع أخيه . فلما بلغ أباه ورجوعه ركب لاستقباله فترجل لأبيه وقبل الأرض . فعانقه أبوه ولا لاطفه ودعا له . ثم عاد به إلى إيوانه . وأقام عنده زمانا لا يصل إلى مراده منه ، ويرى أكثرا اعتنائه بأمر الكاوسيين . فكان يتقلب على جمر الهموم ويتجرّع مرارة